Friday, July 10, 2015

الصراع الروسي الاميركي ابان الحرب الباردة


سيطر الروس على لعبة الشطرنج منذ نهاية الحرب العالمية الثانية واستُخدمت الشطرنج كأداة سياسية لإقناع الجماهير أنّ النظام الشيوعي هو الأنسب والأقدر على إنتاج رجال مفكرين. وشهد عالم الشطرنج في عام 1972 ما لم يشهده من قبل أو بعد حيث أنّ طرفي النهائي كانا الاتحاد السوفيتي ممثلا بببوريس سباسكي والولايات المتحدة الأمريكية ممثلة ببوبي فيشر مما خلق صخباً إعلامياً هائلاً. خاصة حينما نجح فيشر في تحطيم أسطورة سباسكي ومن خلفه مدرسة الشطرنج الروسية في مباراة درامية لعب فيها العامل النفسي دوراً كبيراً.
فيشر
  • ولد عام 1943م في الولايات المتحدة وتعلّم الشطرنج في سنّ السادسة على يد أخته.
  • فاز في عام 1958 ببطولة الولايات المتحدة وصار أصغر لاعب يفوز بها.
  • على الرغم من كون أمّه يهودية إلا أنّه كان يكره اليهود. سأله أحد الصحفيين يوما:(هل أنت معاد للسامية؟)، فأجاب: (لا. فأنا لا أكره العرب). مما سبب حنق اليهود عليه.
  • في عام 1965م، قرر عدم المشاركة في تصفيات بطولة العالم بسبب سخطه على الوضع التنظيمي للبطولة.
  • في عام 1969م، قرر الاشتراك في تصفيات بطولة العالم ولكنّه لم يكن قد اشترك في بطولة الولايات المتحدة الأمريكية المؤهلة لتلك التصفيات مما جعل المسؤولين الأمريكيين يبذلون قصارى جهدهم لإشراكه بدلا من أحد اللاعبين وهو ما تمّ بالفعل. وبالرغم من اشتراكه في اللحظات الأخيرة إلا أنّ أداءه كان أسطورياً وفريداً من نوعه. فقد فاز على لارسن بنتيجة كاسحة (6-0). وفاز على تيمانوف بنفس النتيجة. وفي آخر دور فاز على بطل العالم السابق تيجران بتروسيان فصار المُتحدّي الرسمي لبطل العالم بوريس سباسكي.
  • في عام1972 التقى فيشر مع بوريس سباسكى في آيسلندا، تمّت هذه المباراة في أوج الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي مما جعل العالم يترقبها بشغف عظيم. اعترض فيشر على كل شيء وعلى الجائزة وحتى على قاعة اللعب والإضاءة وعلى وجود الصحفيين، وخسر الدور الأول في 56 نقلة. وفي الدور رقم2 غادر فيشر صالة اللعب إلى غرفته بسبب وجود كاميرا بجواره كان لها صوت أثناء تسجيل المباراة، مما أدى إلى خسارته الدور الثاني قانوناً لتصير النتيجة 2-0، ورغم هذه الأجواء فاز فيشر على سباسكى بنتيجة 12.5/8.5 ليصبح أول أمريكي يفوز ببطولة العالم في الشطرنج.
  • في عام 1975 تأهل الروسي كاربوف لملاقاة فيشر وكان مقررا أن تقام هذه المباراة في الفيليبين. رفض فيشر الدفاع عن لقبه لعدم موافقة إتحاد الشطرنج الدولي على بعض شروطه ومن بينها عدم احتساب أي نقاط للتعادلات. كان كبار لاعبي الشطرنج في روسيا يتهامسون قبل المباراة بفرص كاربوف الضئيله أمام فيشر، حتى أنّ كاربوف صرّح لاحقا أنّ فرصه كانت تتراوح ما بين عشرين إلى ثلاثين بالمئة. بعد عام1975 أصبح فيشر في عزلة تامة.
  • في عام 1992 فاجأ فيشر العالم بعودته للعب في مباراة مع منافسه القديم بوريس سباسكي وتمت هذه المباراة في يوغوسلافيا التي كانت تحت العقوبات الدولية مما سبب مشاكل رهيبة لفيشر الذي حصل على مبلغ 3 ملايين دولار ونصف جراء فوزه. في هذا اللقاء أكد فيشر على تفوقه وفاز على بوريس سباسكي وتوقف بعدها عن لعب الشطرنج.
  • بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 فاجئ فيشر العالم بتأييده لتلك الأحداث قائلا إنّ الظلم الذي مارسته الولايات المتحدة الأمريكية في العالم بدأ يرتد عليها، وأعلن في لقاء إذاعي أنّه يتمنى أن تُمحى الولايات المتحدة من الخارطة. علاقة فيشر مع وطنه الأم ظلت دائما مثارا للتساؤلات والتعجب. حيث يفسر هجومه اللاذع على حكومة بلاده بإهمالها له بعد أن إقتنص بطولة العالم من أنياب الاتحاد السوفيتي. شعر فيشر "بطل الحرب الباردة" أنّه استُخدم لأغراض سياسية ورُمِيَ به جانبا بعد إنجازه اللافت.
  • في عام 2004 أعتُقل فيشر في اليابان، بسبب استعماله جواز سفره الملغي أصلا من قبل سلطات بلاده، ولمدة ستة أشهر مما شكل صدمة لمحبي الشطرنج في العالم وظهرت منظمات خاصة تطالب بإطلاق سراحه. وحتى المنافس القديم لفيشر بوريس سباسكي لم يتوانَ أن يُرسل رسالة إلى الرئيس الأمريكي بوش كتب فيها: "لقد فعلت نفس ما فعله بوبى فيشر ولعبت في يوغوسلافيا، ولكنّ قانون بلدي لم يمنع ذلك. فأرجوك اما أن تُطلق سراح فيشر أو أن تعتقلني معه في نفس السجن، ولكن أعطنا رقعة شطرنج". تحت تأثير الضغوط العالمية، وبعد قبول آيسلندا إعطائه حق اللجوء السياسي، قررت اليابان إطلاق سراح فيشر.
  • سافر فيشر إلى ايسلندا واستقبل استقبال الأبطال من قبل آلاف الايسلنديين. وفي يوم الخميس الموافق 17/1/2008 توفي روبرت فيشر عن عمر ناهز ال64 في مستشفىً في ايسلندا بسبب فشل كلوي.
حيثيات مباراة القرن: سباسكي- فيشر
كما ذكرنا سابقا لقد استطاع فيشر في رحلة التصفيات هزيمة الأساتذة الكبار تيمنوف ولارسن وأخيرا بيتروسيان. وهذا ما لفت إليه أنظار العالم بشكل عام، و ليس عالم الشطرنج بخاصة؛ فقد كانت تلك أول مرٌة ينجح لاعب من المعسكر الغربي، بمفرده، في كسر جدار الصف المنيع و المتراص لأعتد الأساتذة الكبار لروسيا والذين أمسكوا في الماضي بيد من حديد على اللقب الأعلى في الشطرنج وعلى بيئته المحيطة، و ذلك منذ الحرب العالمية الثانية.
انطلقت المقابلة بين فيشر و سباسكي يوم السبت، وكان من بين الحضور رئيس دولة إيسلندا ورئيس الاتحاد الدولي للشطرنج إلى جانب عدد آخر من السفراء وكبار الموظفين. غير أن أحد الكراسي ظلّ شاغرا مع ذلك، كرسي بالقرب من سباسكي إنه كرسي فيشر.
في ذلك الوقت، كان فيشر لا يزال بنيويورك وتخلف عن الحضور بسبب عدم تلبية بعض شروطه لإجراء المقابلة. في ذات الوقت تقدم الوفد الروسي بطلب لإقرار خسارة فيشر للمقابلة الأولى بناءا على تغيٌبه. و في خطوة خارقة للقوانين، أقدم رئيس الاتحاد الدولي و بطل العالم السابق ماكس إيوي على تأجيل انطلاق المقابلة الأولى بيومين و أمهل فيشر تاريخا نهائيا للظهور: و هو زوال يوم الرابع من يوليو، بتوقيت ريكجافيك.
تصدر الشطرنج عناوين الأخبار الدولية وسيطرت الأحداث المحيطة باللقاء على اهتمام الصحافة العالمية، وألقت بالمواضيع السياسية البالغة الحساسية مثل حرب الفيتنام و الانتخابات الرئاسية الأمريكية إلى درجة أدنى من الإهتمام. بدا آنذاك أن ليس ثمة أمل في حضور فيشر للّعب. غير أنه و بتاريخ 3 يوليو، عند أولى فترات الزوال، بادر وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر إلى مهاتفة فيشر قائلا: "بصفتي أحد أسوأ لاعبيْن اثنين للشطرنج في العالم أتجرأ بالكلام مع اللاعب الأفضل على الإطلاق. إنّ أمريكا تريدك أن تذهب هنالك وتهزم الروس." كان محامو فيشر حاضرين لحظة حصول المكالمة وكانوا يحاولون إقناعه –دون جدوى- بالحضور لإيسلندا  بيد أن مهاتفة كيسينجر له وتمنّيه عليه الذهاب لمنازلة الروس جعل ملامح وجهه تتغيٌر. بدا كشاب مقاتل مُقبل على معركة، فقال:"سأذهب لقتال الروس".
في يوم 4 يوليو أقلّت سيارة فيشر إلى مطار جون كينيدي. ثم نُقل سرٌا من المطار عبر مركبة صغيرة للمسافرين تابعة للخطوط الجوية الإيسلندية. أقلعت الطائرة من مطار جون كينيدي عند الساعة العاشرة و أربع دقائق ليلا، بتأخير ثلاثة ساعات تقريبا عن الوقت المحدد. أوقف فيشر حركة العالم و قبض أنفاسه لهذه المدة الطويلة، مرغما جميع المسافرين الآخرين على الانتظار، بل إنّ بعضهم تخلٌى عن مقعده في آخر لحظة من أجل إفساح المجال لمرافقي فيشر.
علمت موسكو بخبر سفر فيشر وتأخره عن الموعد وهددت بقطع علاقاتها مع الولايات المتحدة اذا لعبت المباراة وكذلك هددت بالقيام بخطوات تصعيدية.. تأخّر  فيشر عن الموعد ولكن رئيس الاتحاد الدولي قبل بإقامة المباراة إذا وافق سباسكي وكان هذا الأخير رجلا محترما من الطراز الأول فقام بوساطة بين حكومته وقال لهم بأنه سوف يفوز على فيشر ولا داعي لهكذا تصريحات..
قامت المباراة الأولى وكان فيشر قد إعترض على اقامتها في قاعة كبيرة فقال بأن الجمهور يشوش عليه وجاء إعتراضه هذا بعد ما كان سباسكي قد أحرز تفوقا كبيرا أثناء المباراة في وضعية اللعب وبدا بأنّ المباراة الاولى في متناول يده. نقلت المباراة إلى غرفة صغيرة في الفندق فاعترض فيشر على الكرسي فأحضر له المنظمون كرسيا آخرا فلم يعجبه أيضا. فتأجلت المباراة الى اليوم التالي حيث قام البيت الأبيض بارسال 100 كرسي لينتقي فيشر واحدا منهم. مع ذلك قام فيشر بمغادرة المباراة الثانية بسبب وضعهم آلة تسجيل للمباراة حيث قال بأن صوتها يزعجه. أثارت هذه التصرفات غضب سباسكي وقلّلت من تركيزه وكان فيشر في كل مباراة يقوم ويتجول أثناءها وهذا ما أثّر على أداء سباسكي أيضا.
لقد كان فيشر أحد أفضل لاعبي العالم وعاد إلى امريكا وهو بطل للعالم وهو أول وآخر أمريكي يحصل على هذا اللقب.

No comments:

Post a Comment