Friday, July 10, 2015

الشطرنج والطاولة


وللدلالة على أهمية  تكتيكات الشطرنج واستراتيجياته في عالمنا المعاصر نترككم مع حوار غاية في الأهمية بين الصحفي المصري المشهور محمد حسنين هيكل وخبير سياسي بريطاني. يقول هيكل:
تتردد في سمعي أحيانا، أصداء عبارة سمعتها منذ عدة شهور في لندن، إلتقطتها ذاكرتي فيما يبدو وسط حديث طويل، ثم احتفظت بها طافية فوق التفكير أحيانا، غاطسة تحته في أحيان أخرى – لكنها كما أتبين الآن لم تذهب مع النسيان إطلاقا  !
    يومها كنت في أحد النوادي العتيقة في العاصمة البريطانية ضيف غذاء على صديق عزيز هو في نفس الوقت واحد من ألمع نجوم الإستراتيجية والحرب في عصرنا، ثم إن تجربته الواسعة والعميقة أتاحت له الفرصة أن يتصل عن قرب بمسرح الحوادث في الشرق الأوسط وأن يظل متابعا للمجرى العام للتطور عليه.
     و كان الحديث قد امتد بنا ساعات طويلة.. ست ساعات تقريبا. وفي نهاية الحديث جاءت عبارته التي أعنيها التي قلت أنها لم تذهب مع النسيان إطلاقا من ذاكرتي.
  قال لي مع رشفة أخيرة من فنجان القهوة التاسع أو العاشر في جلستنا الطويلة تلك... قال:
    - هل تعرف ؟ .. أنني فكرت و أفكر طويلا في الصراع العربي – الاسرائيلي.... وأكاد أصل إلى اقتناع مؤداه أنّ اللعبة السياسية التي تجري بينكم وبينهم هناك هي أغرب الألعاب في السياسة الدولية المعاصرة.
    أنها ليست لعبة واحدة.. بل هي في الحقيقة لعبتان. أنتم تلعبون لعبة..  وهم يلعبون غيرها.
    أنتم – العرب وإسرائيل – أمام بعضكم في صراع، ولكن الغريب أنّ كل طرف يلعب لعبة مختلفة. إذا أردتني أن أشبه بألعاب الشرق –إذن فأنتم أمامهم تلعبون الطاولة – النرد- و لكنهم في صراع أمامكم يلعبون الشطرنج وذلك هو صميم المأساة في صراع الشرق الأوسط
لعبتكم السياسية: طاولة.
ولعبتهم السياسية: شطرنج.
ومع ذلك: فأنتم وهم على ناحيتي لعبة سياسية واحدة. صراع واحد.
ولعبة الطاولة تحتاج إلى براعة، ولكنها في الأساس تعتمد على ضربة حظ يتمناها اللاعب وقد تقع له أو لا تقع له.
ولعبة الشطرنج مسألة أخرى تماما. أساسها قانون اللعبة، وحساب ثم حركة.
في تصرفاتكم باستمرار، انتظار و اعتماد على ذلك المجهول الغامض، ضربة الحظ التي تقع أو لا تقع، وبعدها تسعدون أو تحزنون... يتوقف الأمر على مهارة الاعب أو خيبته.. على يمن طالعه أو نحس ذلك الطالع.
وفي تصرفاتهم بإستمرار لا يوجد شيء من ذلك. الشيء الوحيد الموجود هو قانون اللعبة، والحساب، والحركة.
لن تهزموهم إذا إستمرت لعبتكم السياسية أمامهم: طاولة، وقد تهزموهم إذا تحولت لعبتكم السياسية أمامهم إلى: شطرنج.
ولعلكم لا تنسون أنه برغم كل التطورات في علوم الحرب، فإن الشطرنج هو السلف الصالح للاستراتيجية العصرية.

ثم تظل في هذا الحديث الطويل عن حالة - أو جريمة –  اللاسلم  واللاحرب كلمة أخيرة تردد فيها سؤال لينين الشهير:
- ما العمل ؟...
ولو أردت أن أستبق الأيام لقلت بسرعة: - بالشطرنج وليس بالطاولة !!

No comments:

Post a Comment