Friday, July 10, 2015

كش ملك

يا صدیق..
حیاتنا ما هي إلا ملحمة شطرنج كبرى ؛ شیقة وشاقة
نقضیها دون أن ندري ، ونحن نحرك الجنود والخیول والقلاع
ندافع عن ملكنا أو نضحي به..
في كل ساعة ، في كل لحظة من كل یوم هناك تلك الرقعة المربعة
الملأى بلوني الحیاة الأساسیین (الأسود والأبیض (
.....
كل لحظة من لحظات حیاتنا جزء من تلك الملحمة الكبرى
تلك اللعبة التي تسیطر على حیاتنا وتهیمن علیها..
.....
حیاتك یا صدیق ، حیاتنا ، ما هي إلا ملحمة شطرنج كبرى " .
بهذه الكلمات یستهل د.أحمد العمري كتابه
لیشعرك بشوق وٕاثارة لما هو آتٍ ...
وأكاد أجزم لك أن ما بعد ذلك شدید الإثارة ، سلس التنقل ..
وأجزم معها أني لا أملك أن أنقل ما أتى بداخل هذا الكتاب أو أسلط الضوء علیه
بسلاسة وروعة كتلك التي أتى بها الكتاب ..
لكنها شذرات ومقتطفات ،، وقراءة الكتاب أشد إفادة وأكثر متعة وأعمق تأثیراً ..
یبدأ الكتاب ممثلاً لنا حیاتنا بلعبة شطرنج كبیرة
نلاعب معها لاعباً ماهراً ، یملك شوطاً كبیراً من الخبرة والذكاء
والأمر بالنسبة له لیس مجرد لعبة أو هوایة أو احتراف ، بل هو رهان وقسمٌ أقسمه..
تخیّل لو أنك أدخِلتَ مضمار لعبٍ یوماً ، ولم تكن تعلم أن هذه اللعبة محسوبة أو ذات أهمیة
وبعد انتهت علمت أنك كنت في مبارزةٍ شدیدة الجدیة
وأن مَن كان یلاعبكَ كان مراهناً على حیاته بأكملها في هذه اللعبة ..
حیاتنا كذلك .. ملحمة شطرنج
في حیاتنا لا مكان للألوان ، هناك لونین اثنین لا ثالث لهما، أبیض أو أسود !
هل تعرف من خصمك المتأهب المستعد ؟؟
فكّر قلیلاً !
٢
من ذاك الذي أقسم أمام الله منذ دهور ودهور على أن یغویكَ ویغلبك ؟؟
هل عرفته الآن ؟؟
هو ذاك اللعین .. إبلیس..
٣
دعونا هذه المرة لا نفعل شیئاً إلا أن نقف مع كلمات للدكتور من كتابه
وفي محطة أخرى نعاود التعقیب والتعلیق على باقي الكتاب..
لكن دعونا الآن نبحر مع هذه الكلمات ..
"ذهب أحدهم إلى الرسول علیه أفضل الصلاة والسلام
یشكو حب الزنا ، ویطلب منه علیه الصلاة والسلام أن یسامحه في ذلك
أن یعطیه رخصة ما عند الله من أجل أن یسقط عنه عقوبة الزنا دنیا وآخرة..
ذاك الشاب ، أحسه قادماً من زماننا ، أحسه واحداً من أولئك الملایین من الشباب
المطحونین الممزقین بین رغباتهم ونوازعهم وبین واجباتهم الدینیة..
واحداً من أولئك الذین لا یتمكنون من الزواج لسبب أو لآخر
یحاصرهم إبلیس بجنود الشهوة عن الیمن وعن الشمال ومن الإمام والخلف..
وتسألني یا صدیق : أین تذهب بوجهك ؟؟
***
دعه یدخل شقتك .. لا ، لا تفرش السجاد الأحمر ، ولا تحاول تجدید الأثاث فرحاً به..
دع المكان یتشرف به ، دعه ینور ویسطع بالأنوار فجأة
دعه یأسرك ویطلق سراحك داخل حضوره الكریم
..امثل أمام حضرته الكریمة..
اذهب إلیه : اجثُ على ركبتیك واجلس أمامه..
لا داعي للتفاصیل ؛ إن حضوره أكبر من كل التفاصیل
أغمض عینیك ، ستحس بیده تمتد نحو صدرك ، تحسها تتوغل في أعماقك ، نحو قلبك
أغمض عینیك ، استشعر ذلك الدفء ، ذلك الارتخاء المریح
على یدیه ، فلتولد من جدید ، وتخلق من جدید وتبعث من جدید..
من بعید أسمع شهقة ، لا أدري إن كانت شهقة بكائك أم ولادتك
أم شهقة احتضار یتحشرج بها إبلیس عند تلك الرقعة المربعة .
وتسألني : أن تذهب بوجهك ؟ أقول لك : صوبه .
ثم التفِت إلى إبلیس واهمس في أذنه :
كش ملك ، أیها الشیطان الرجیم" .
٤
ابشركَ أنكَ ستغلب شیطانكَ یوماً ، وأنكَ في لحظة ما من لحظات العمر ستشعر أنك فزت باللعبة
تمهّل .. فاللعبة لم تنتهي ، وفوزك في شوطٍ واحد من الأشواط لا یعني فوزك النهائي
ما قلتَ له "كش" لیس الملك الأساسي ، لكنه قد یكون أحد أعوانه..
ستقول لشیطانك یوماً "لا" .. وسترفض إحدى معاصیه ، ولا تقبل بها ..
وما زالت اللعبة مستمرة ، فانتبه لذلكَ واحذر .. فإبلیس ، خصمك الماهر .. لا یمل
أسالیبه عدیدة ، وصوره متنوعة ..
قد یعلم أنكَ ترفض فعل المنكر جهاراً نهاراً .. فیأتیك من باب آخر وخطوات أخرى
سیأتیك ببعض الآیات ، لكن بمواضع لیست مواضعها .. وببعض المواقف من السیر ، لكن لیست
بمكانها
سیحدثك عن رحمة الله وعفوه .. والله عز وجل رحیم عفوّ كریم
لكن ابلیس سیستخدم هذه الصفات لله عز وجل ؛ لیؤملك ویخدرك
فاحذر ! قد یُقتَلُ ملكك وتخسر اللعبة ...
الغفلة ، هي سلاح إبلیس القوي ، والقوي جداً ، في هذه اللعبة المصیریة جداً..
ویستكمل الدكتور في كتابه عروض أنواعٍ قد یأتي إبلیس على صورتها
فیوماً سیؤملكَ إلى حد التخدیر ، ویوماً سیخوفكَ إلى حد القنوط والیأس
ویوماً سیرحل بكَ إلى عالمٍ من التسویف والتأجیل ...
لا تهم إبلیس الوسیلة التي یكسبكَ بها ، ما یهمه حقاً هو أن تخسر أنت اللعبة ، ویفوز هو ..
إذا استطعتَ یوماً على إبلیسكَ ولم تطع وسوساته ، فلا تظنن اللعبة منتهیة ، ولا تفرح
بل قل ، وبصوت عالٍ : كش ملك ، أیها الشیطان الرجیم
فسأواصل سعیي ، ما دامت روحي تسكن جسدي..
أما إذا استطاع هو علیك ، وجرّك في بحر المعاصي ، بل وأغرقك فیه
فاللعبة حینها ، لم تنتهي أیضاً .. قل هذه المرة ، وبصوت أعلى وأعلى :
كش ملك ، أیها الشیطان الرجیم..
فربّي وعدني بقبول التوبة إن صدقتها ، وبإبدال السیئات إلى حسنات
..وما زالت اللعبة مستمرة..
یقول الدكتور :
٥
.."ومن أذكى نقلاته التي تقتل ملكك وتنهي اللعبة
أن یدخل علیك بمنطق زئبقي مراوغ ومناور ، ینزلق على أفكارك ویتزحلق علیها لتتزحلق معه
وتجد نفسك قد انزلقت إلى الدرك الأسفل من النار عبر هذا المنطق المغلف
الذي قد یبدو في البدایة كما لو كان حریصاً على الدین ، غیوراً على حرماته وشرائعه .
سیقول لك : إما الالتزام كاملاً أو لا.
..ومن نقلات إبلیس الذكیة وحركاته الناجحة :
أن یجعلك تستهین بذنوبك وتحتقرها، هذه صغیرة ، وهذه غیر مهمة ، وهذه من اللمم
وقد تكون حیاتك عموماً فیها طاعات كثیرة ، لكن فیها معاص تعودت أن تستصغرها ، أن تحتقرها
تنسى حتى أن تستغفر عنها ..
..سوف یدخل إلیك من تلك الوساوس والمخاوف ، أنه قلق علیك ویرید مصلحتك وأمنك
فیؤكد علیك أن قیامك بالفعل الفلاني سیشكل علیك خطراً وقد یتهمك الاخرون بالارهاب !
سیجعل توبتك یوماً ناقصة ، فینفخ في داخلك الكبریاء .. لا ندم ، لقد كبرنا وعقلنا..
لن یجعلك تندم على ما فعلت ، فتلك ضرورات المراهقة والرجولة .. فلا ندم
وعندما لا ندم ، رغم الانقطاع .. فالماضي لا یحذف ، بل یبقى بالقائمة" . .
٦
.."لكن أخطر نقلة وأخبثها وأذكاها ، لم آت علیها بعد .
إنها الأخطر لأنها الأشمل ، تضم وتحوي كل النقلات والتحركات السابقة .
والأخبث لأنها الأخفى والأكثر مكراً وخدیعة ودعاء ، تتسلل بهدوء كما الأفعى " .
عن أي النقلات یتحدث د.أحمد العمري ؟
یتابع كلامه لیفصل أكثر :
"عن ذلك الوباء المستشري أتحدث..
عن مرض یقتحمنا ، ویواجعنا ، ویدخل بیوتنا ورؤوسنا ، وینام في أسرتنا
عن مرض قاتل ، وفتنة عظیمة ، ونقلة جبارة على تلك الرقعة المربعة أتحدث
مرض اسمه : من دون المزید من اللف والدوران : حب الغرب
..عن ذلك الانبهار المذل بكل ما هو غربي
عن ذلك الافتتان السلبي بكل ما هو صادر من هناك
عن ذلك التقلید الهزلي الذي نقترفه من أجل أن نصیر أقرب إلیهم"
ودعوني هنا أطلق تنهیدتي ...
كم تؤلمني هذه النقلة .. تكاد تقتلني
لا خلاف أن في الغرب الیوم عدد كبیر من الإیجابیات التي نفتقدها هنا...
لكنني أذكر مثلا ذكره الدكتور في كتاب آخر له ، حیث صوّر الحیاة هنا ملیئة بالأمراض
ملیئة بالفایروسات ، الانفلونزا ... امراضها هي الفقر والضغوط والتقیید وغیرها مما قد نجد . .
لكنه یصوّر الجانب الآخر ، حیاة الغرب .. بالمرض الخبیث .. السرطان
یعیش المرئ طوال عمره مرتاحاً ، لا یشكوا من ألم ..
وفجأة ! تبدأ العوارض ، ویكتشف أن المرض عشعش في جسمه منذ سنین ، ولا علاج
كم عرفنا وسمعنا عن أناس سافروا وما عادوا .. وفقدوا هناك كل شيء ، فقدوا العائلة..
حب الغرب ! وكم اهلكنا هذا الحب ! ! ! !
یقول الدكتور :
"تتجه السجادة عندما نصلي ، نحو القبلة ، نحو الكعبة في مكة .. فهل تتجه القلوب نحوها ؟
هل تتجه الحیاة نحوها ؟ هل تتجه العقول ویتجه السلوك ویتجه الضمیر والوجدان نحوها ؟
في كل یوم نقف أمامه ونطلب منه أن یهدینا الصراط المستقیم ، لا صراط الضالین ولا
المغضوب علیهم
لكن بتبلد، دونما احساس، دون فهم لما نطلب
نطلب هذا الصراط ، وواقع حیاتنا یمشي ویسیر نحو صراط آخر ، بل یرید المزید منه!
یرید الوصول إلیه ، والتماهي معه .. إنه صراط الغرب ، صراط الحیاة الغربیة..
كأن لا اتجاه في العالم إلا الغرب.
كأن الشمس عندما ذهبت لتغرب ، بقیت في الغرب .
كأن العالم كله ، لیس سوى الغرب .
كأن الغرب یحمل على كتفیه العالم ، وٕاذا تركها سقط العالم في الفراغ المطلق".
كم من الأشخاص ، أُشربوا في قلوبهم حب الغرب حتى انتقلوا للعیش هناك
وبعدها بسنوات ، تساءلوا : ما الذي صنعناه بأنفسنا ؟؟؟
كم یغلبنا الشیطان في هذه النقلة ، وكم یُخسرنا من مبادئنا ، وكم یوقعنا في غفلة..
وللأسف .. انظر لمن حولك - بل وربما لنفسكَ حتى - ستجد الأمر قد انتشر بكل حدب وصوب
..
ستجده منتشرا بین العقول ، منتشراً في الملبس والمأكل والمشرب ،، منتشراً في لكنة الكلام
ستجده منتشراً عبر كل الأحلام والطموحات..
فیالها من نقلة ذكیة لكَ یا إبلیس .. قلیلون من یملكوا مهارة أن یغلبوك عندها
فیترنموا لك بالقول : كش ملك!
٨
..وما زالت اللعبة مستمرة !
هنا أو هناك .. في الغرب أو في الشرق
..ما زالت اللعبة مستمرة !!
فكما قلنا بدایة ، ما دام هناك نفس یراود قلبك
فاللعبة مستمرة ...
وما دام في الحیاة صولات وجولات
فاللعبة مستمرة ..
..لا لم ینتهِ الأمر بعد ..
سنلعب جمیعاً لعبة الشطرنج ، سنلعبها
وسیكون هناكَ فائز وخاسر ، فانظر أین تكون..
یقول الدكتور في كتابه :
"سواء كنت تحب الشطرنج أم تمقته ، تجیده أو تنسى أصوله
فإنه سیظل ملحمة حیاتك بأكملها..
تقول : إنك تجهل قواعدها ؟
یا صدیق ، هناك كتاب یجعلك تتعلم اللعبة على أصولها وقواعدها الحقیقیة . .
تقول : أنك ترید نسخة منه ؟
لكنك تملك نسخة فعلاً ، وأؤكد لك أنك تملك أكثر من نسخة .
الكتاب ؟ ربما على الرف یعلوه الغبار ، ربما في السیارة من أجل الحرز والحمایة
ربما لا یفتح في الأشهر إلا في رمضان .. لكنه هناك ، موجود .
عرفته طبعا" !
لا بدّ أن نعرفه ! !
وأي كتابٍ یعلمنا أصول الحیاة سوى قرآننا الكریم ؟
كم نقول مراراً وتكراراً ، أن القرآن الكریم هو دستور حیاتنا
وعند التطبیق .. لا شيء ، سوى عبارات نزین بها مقالاتنا !!
فماذا لو تعاملنا مع القرآن الكریم على أنه دستور حیاةٍ حقاً ؟؟ لا بدّ أننا سنغلب إبلیس حینها !
وننهي بما أنهى به الدكتور كتابه حیث قال :
"ومن أهم قواعد اللعبة أن تظل اللعبة قائمة ومستمرة ، فلا تتصور قط أنها انتهت"
بل إن من أهم نقلات خصمك العنید أن یوهمك أنك انتصرت وأنه هزم أمامك..
عندها ستتمدد باسترخاء فرحاً بانتصارك، فإذا بالأسود ینقض على الأبیض ویقتله !
اللعبة تظل لعبة ، لا انتصار حقیقي إلا عندما تنتهي حیاتك !
وٕاذا ساورك الأمان والاطمئنان وتصورت أنك انتصرت ، فاعلم أنها نهایتك ، وأنه قد تمكن منك.
****
اللعبة .. الملحمة ؟
ادخلوها بسلام.
ولكن حذار أن تدخلوها آمنین .
****
وقل دوماً : كش ملك أیها الشیطان الرجیم

No comments:

Post a Comment